أبي منصور الماتريدي

329

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يذهب بمائها . وقال الفراء يذهب جفاء : أي : يذهب سريعا كما جاء . وقال الشيخ - رحمه الله - : ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد ؛ لكن الناس اتخذوا أديانا متفرقة ، ومذاهب « 1 » مختلفة ؛ كقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [ الأنعام : 153 ] فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد ؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف ؛ وهو الأصل ؛ فحذف « 2 » منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث ؛ فعلى ذلك السبل . أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء ؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [ طيبا عذبا ] « 3 » ، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض ؛ بعضه خرج مالحا أجاجا ، وبعضه مرّا لا ينتفع به ؛ وبعضه عذب ، وذلك على اختلاف جواهر الأرض ، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب ؛ فالذي ينتفع به واحد ؛ وهو العذب . فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد ؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة ، أو يكون غير هذا ؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 18 إلى 25 ] لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 18 ) أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ( 20 ) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ( 21 ) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 ) وقوله - عزّ وجل - : لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى أي : أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه ، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله : [ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد ، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام ] « 4 » ، والحسنى الذي ذكر ،

--> ( 1 ) في ب : ومذاهبنا . ( 2 ) في أ : فحدث . ( 3 ) في ب : عذبا طيبا . ( 4 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .